الشيخ محمد النهاوندي

89

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أقنطهم سبحانه عن الطمع في شفاعة الملائكة فضلا عن الأصنام بقوله تعالى : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ وكثير من الروحانيين الساكنين فِي السَّماواتِ السبع لا تُغْنِي ولا تنفع شَفاعَتُهُمْ عند اللّه لأحد شَيْئاً من الإغناء والنفع ، وفي وقت من الأوقات إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لهم في الشفاعة لِمَنْ يَشاءُ أن يشفعوا له وَيَرْضى عنه بتديّنه بالدين المرضي عنده ، وهو الاسلام . وقيل : يعني من بعد أن يأذن اللّه لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة ، ولا يؤذن لهم إلّا في الشفاعة لأهل الايمان بالتوحيد « 1 » ورسالة خاتم النبيين ، فانّهم آهلين للشفاعة دون الكفّار والمشركين ، هذا حال أعظم المخلوقات عند اللّه ، فكيف حال الأصنام اللّاتي هنّ أخسّها ؟ [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 27 إلى 30 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ( 30 ) ثمّ ذمّ سبحانه القائلين بانوثة الملائكة بقوله : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ عن صميم القلب وخلوص النية بِالْآخِرَةِ ودار الجزاء لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ الذين هم عباد الرحمن تسمية تشبه تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ويقولون لهم بنات اللّه . قيل : إن القائلين بأنّ الملائكة بنات اللّه ، لم يكونوا معتقدين بالمعاد ودار الجزاء ، بل كانوا يقولون لا حشر ولا بعث « 2 » ، ولو فرض تحقيقه كانت الملائكة والأصنام شفعائنا ، ولذا اجترءوا على هذا القول وَ الحال أنّه ما لَهُمْ بِهِ شيء مِنْ عِلْمٍ وأقلّ مرتبة من اليقين ، بل إِنْ يَتَّبِعُونَ ولا يوافقون في قولهم هذا إِلَّا الظَّنَّ والحسبان ، كما لم يتّبعوا في القول بألوهية الأصنام إلّا ذلك وَإِنَّ الظَّنَّ مطلقا ، أيّ ظنّ كان لا يُغْنِي ولا يكفي مِنْ الوصول إلى الْحَقِّ والواقع في العقائد شَيْئاً يسيرا من الاغناء والكفاية . قيل : إنّ المعنى : لا يغني الظنّ شيئا من الحقّ ، فانّ الحقائق لا تدرك إلّا بالعلم « 3 » . فلمّا رأيتهم لا يصغون إلى البرهان ، ولا يعتنون بالقرآن ، ولا ينصرفون عن اتّباع الظنّ والحسبان فَأَعْرِضْ يا محمد عَنْ دعوتهم إلى الحقّ بالحكمة والموعظة الحسنة ، لعدم التأثير في

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 160 ، تفسير روح البيان 9 : 237 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 308 ، تفسير روح البيان 9 : 237 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 8 : 160 ، تفسير روح البيان 9 : 238 .